ابن قيم الجوزية
66
الوابل الصيب من الكلم الطيب
ذكرني وتحركت بي شفتاه وفي أثر آخر وأهل ذكري أهل مجالستي ، وأهل شكري أهل زيارتي ، وأهل طاعتي أهل كرامتي ، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي : إن تابوا فأنا حبيبهم ، فأني أحب التوابين وأحب المتطهرين . وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب ، لأطهرهم من المعايب . والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شئ ، وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن والمتقي ، وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة وإنما تعلم بالذوق ، وهي مزلة أقدام إن لم يصحب العبد فيها تمييز بين القديم والمحدث ، بين الرب والعبد ، بين الخالق والمخلوق ، بين العابد والمعبود ، وإلا وقع في حلول يضاهي به النصارى ، أو اتحاد يضاهي به القائلين بوحدة الوجود وأن وجود الرب عين وجود هذه الوجودات ، بل ليس عندهم رب وعبد ، ولا خلق وحق ، بل الرب هو العبد والعبد هو الرب والخلق المشبه هو الحق المنزه ، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً . والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه ولج باب الحلول والاتحاد ولا بد . ( الثالثة والأربعون ) أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل ، ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل ، وقد تقدم أن « من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه حتى يمسي » ، الحديث . وذكر أبن أبي الدنيا عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال : قيل لأبي الدرداء : إن رجلاً أعتق مائة نسمة . قال : إن مائة نسمة من مال رجل كثير ، وأفضل من ذلك وأفضل إيمان ملزوم بالليل والنهار ، أن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله عز وجل . وقال أبن مسعود : لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل . وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود ، فقال عبد الله : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي من أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل . فقال عبد الله بن عمرو : لأن أجد في طريق فأقولهن أحب إلي من أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله عز وجل . وقد تقدم حديث أبي الدرداء قال : « قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا